|
الماخذ : معجم الادباء لیاقوت الحموی مجلد ۱ مقدمه في فضل الأدب وأهله، وذم الجهل وحمله قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كفى بالعلم شرفاً أنه يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله، وكفى بالجهل خمولاً، أنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه. فنظم بعض المحدثين ذلك، فقال: كفَى شَرَفاً لِلْعِلْمِ دَعْوَاهُ جَاهِـلٌ وَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى إِلْيهِ وَيُنْسَـبُ وَيَكْفِي خُمُولاً بِالْجَهالَةِ أَنَّـنِـي أُرَاعُ مَتَى أُنْسَبْ إلَيْهَا وَأَغْضَبُ وقال رضي الله عنه: قيمة كل إنسان ما يحسن، فنظمه شاعر وقال: لاَ يَكُونُ الْفَصِيحُ مِثْلَ الْعَـيَيِّ لاَ وَلاَ ذُو الذَّكَاءِ مِثْلَ الْغَبِـيِّ قِيمَةُ الْمَرْءِ قَدْرُ مَا يُحْسِنُ الْمَرْ ءُ قَضَاءٌ مِنَ الإمَـامِ عَـلـيِّ وقال كرم الله وجهه: كل شيء يعز إذا نزر، ما خلا العلم، فإنه يعز إذا غزر. إبراهيم بن عبد الله النجيرمي أبو إسحاق النحوي اللغوي أخذ عنه أبو الحسين المهلبي، وجنادة اللغوي الهروي، وكثير من أهل العلم، وكان مقامه بمصر. قال أبو سعد السمعاني: النجيرمي نسبة إلى نجيرم، ويقال نجارم، وهي محلة بالبصرة، قال المؤلف: لم يصب السمعاني في قوله، إلا أن يكون طائفة من أهل هذا الموضع أقاموا بموضع من محال البصرة فنسب إليهم، ونجيرم قرية كبيرة على ساحل بحر فارس، بينها وبين سيراف نحو خمسة عشر فرسخاً، رأيتها يسمونها أهلها والتجار نيرم، فيسقطون الجيم تخفيفاً، أو تخلفاً، وليس مثلها يحتمل أن يكون لأهلها محلة بالبصرة، وهم فرس من فرس الحال، أكثر أكلهم النبق والسمك حدثني بعض أهل مصر عند كوني بها في سنة اثنتي عشرة وستمائة قال: حدثت أن الفضل بن عباس دخل على كافور الأخشيدي فقال له: أدام الله أيام سيدنا الأستاذ، فخفض الأيام، فتبسم كافور إلى أبي إسحاق النجيرمي، فقال أبو إسحاق: لا غرو أن لحن الداعي لسيدنـا وغص من هيبة بالريق والبهر فمثل سيدنا حالت مـهـابـتـه بين البليغ وبين القول بالحصر فإن يكن خفض الأيام عن دهـش من شدة الخوف لا من قلة البصر فقد تفاءلت في هـذا لـسـيدنـا والفأل نأثره عن سيد الـبـشـر بأن أيامه خفـض بـلا نـصـب وأن دولـتـه صـو بـلا كـدر قال: فأمر له بثلاثمائة دينار، ولابن عباس بمثلها، هكذا أخبرني المصري في خبر هذا الشعر، وأنه لأبي إسحاق النجيرمي، ووجدت في أخبار رواها أبو الجوائز الواسطي قال: حدثني أبو الحسين بن أدين النحوي، وكان شيخاً قد نيف على الثمانين، في سنة أربعمائة قال: حضرت مع والدي وأنا طفل مجلس كافور الإخشيدي، وهو غاص بأهله، فدخل رجل غريب، فسلم ودعا له، وذكر القصة، ولم يذكر الفضل بن عباس، قال: فقام رجل فأنشد ولم يذكر النجيرمي، وأنشد الشعر بعينه، وجهل الرجلين. قرأت في كتاب من إملاء النجيرمي قال كاتبها: أنشدني أبو إسحاق وهي له: بدلني الدهر أميراً معوزاً بسيد كان خضماً كوثرا إذا شممت كفة مؤمـلاً شممت منها غمراً مقترا بما أشم مسكها والعنبـرا يا بدلاً كان لقاءً أعـورا وأنشدهم أيضاً لنفسه: وإني فتى ضبر على الأين والوجى إذا اعتصروا للوح ماء فظاظهـا إذا ضربوها سـاعة بـدمـائهـا وحل عن الكوماء عقد شظاظهـا فإنك ضحاك إلى كـل صـاحـب وأنطق من قس غداة عكاظـهـا إذا اشتغب المولى مشاغب مغشـمٍ فعذره فيها آخذاً بكـظـاظـهـا إبراهيم بن الفضل الهاشمي اللغوي قال الحاكم في تاريخ نيسابور: أبو إسحاق الأديب اللغوي، أقام بنيسابور سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، وسمعته يذكر جماعة من أبي محمد بن صاعد وأقرانه، وسمعته يقول: سمعت أبا بكر بن دريد ينشد لنفسه: ودعـتـه حـين لا تـودعـه نفسي ولكنها تسـير مـعـه ثم افترقنا وفي القلـوب لـه ضيق مكان وفي الدموع سعه إبراهيم بن قطن المهري القيرواني أخو أبي الوليد عبد الملك المذكور في بابه، ذكره الزبيدي في كتابه وقال: قرأ إبراهيم النحو قبل أخيه أبي الوليد، وكان سبب طلب أبي الوليد النحو أن أخاه إبراهيم رآه يوماً وقد مد يده إلى بعض كتبه يقلبها، فأخذ أبو الوليد كتاباً منها ينظر فيه فجذبه من يده وقال له: مالك ولهذا? وأسمعه كلاماً، فغضب أبو الوليد لما قابله به أخوه، وأخذ في طلب العلم حتى علا عليه، وعلى أهل زمانه كلهم، واشتهر ذكره، وسما قدره، فليس أحد يجهل أمره، ولا يعرف إبراهيم إلا القليل من الناس، وكان إبراهيم يرى رأي الخوارج الإباضية: إبراهيم بن ماهويه الفارسي رجل أديب، لا أعرف من حاله إلا ما ذكره المسعودي، فقال: له كتاب عارض فيه المبرد في كتابه الملقب بالكامل. إبراهيم بن محمد بن أبي حصن الحارث بن أسماء، بن خارجة، بن حصن، بن حذيفة، بن بدر، الفزاري أبو إسحاق، كوفي الأصل نزل ثغر المصيصة حتى مات به، في عدة روايات ذكرها ابن عساكر في تاريخ دمشق، أصحها أنه مات سنة ثمان وثمانين، وقد روي أنه مات سنة ست، وقيل سنة خمس وثمانين، وكان خيِّراً، فاضلاً، ورعاً، صاحب سنة، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وله فضائل جمة، يذكر منها في هذا الكتاب ما انتخبناه من كتاب دمشسسق، وكان أبو إسحاق مع ما اشتهر من فضله كثير الغلط، وله كتاب السيرة في الأخبار والأحداث، رواه عنه أبو عمرو معوية بن عمرو الرومي، وتوفي أبو عمرو هذا ببغداد، سنة خمس عشرة وثلاثمائة. قال ابن عساكر: أبو إسحاق أحد أئمة المسلمين، وأعلام الدين، روى عن الأعمش، وسليمان البتي، وأبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني، وعبد الملك بن عمير وعطاء بن السائب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى ابن عقبة، وهشام بن عروة، وحميد الطويل، وسفيان الثوري، وذكر خلقاً كثيراً، وروى عنه سفيان الثوري وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهما أكبر منه، وذكر خلقاً رووا عنه، وحدث فيما رفعه إلى رباح ابن الفرج الدمشقي قال: سمعت أبا مسهر يقول: قدم علينا إبراهيم بن الفزاري، فاجتمع الناس يسمعون منه، فقال لي: اخرج إلى الناس فقل لهم: من يرى رأي القدرية فلا يحضر مجلسنا، ومن كان يأتي السلطان فلا يحضر مجلسنا، قال: فخرجت فأخبرت الناس، قال. وقال عبد الرحمن النسائي: أبو إسحاق الفزاري ثقة مأمون، أحد الأئمة، وكان يكون بالشام، روى عنه ابن المبارك، وحدث الأوزاعي بحديث، فقال رجل، من حدثك يا أبا عمرو? فقال: حدثني الصادق المصدق أبو إسحاق إبراهيم الفزاري، وحدث فيما رفعه إلى أبي صالح محبوب بن موسى الفراء، قال: سألت ابن عيينة قلت: حديث سمعت أبا إسحاق رواه عنك، أحببت أن أسمعه منك، فغضب علي فاتهرين، وقال: لا يقنعك أن تسمعه من أبي إسحاق، والله ما رأيت أحداً أقدمه على أبي إسحاق، وقال أبو صالح أيضاً: ولقيت الفضل بن عياض فعزاني بأبي إسحاق، وقال لي: والله لربما اشتقت إلى المصيصة مالي فضل الرباط إلا لأرى أبا إسحاق. حدث فيما رفعه إلى أبي مسلم صالح بن أحمد العجلي عن أبيه قال: أبو إسحاق الفزاري كوفي، إسمه إبراهيم بن محمد، نزل الثغر بالمصيصة، وكان ثقة، رجلاً صالحاً، صاحب سنة، وهو الذي أدب أهل الثغر، وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه، أمر سلطاناً يوماً ونهاه فضربه مائتي سوط، وتكلم فيه، وسئل عنه يحيى بن معين فقال: ثقة ثقة. قال أبو صالح الحسين بن محمد بن موسى الفراء: سمعت علي بن بكار يقول: لقيت الرجال الذين لقيهم أبو إسحاق بن عون وغيرهم، والله ما رأيت فيهم أفقه منه. قال أبو صالح: قال عطاء الخفاف: كنت عند الأوزاعي فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق، فقال للكاتب: اكتب إليه: وابدأ به، فإنه والله خير مني. قال: وكنت عند الثوري، فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق، فقال للكاتب: اكتب إليه فابدأ به، فإنه والله خير مني. وحدث فيما رفعه إلى إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخذ الرشيد زنديقاً فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي يا أمير المؤمنين? قال: أريح الناس منك، قال: فأين أنت عن ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما فيها حرف نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم? قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وعبد الله بن المبارك? ينخلانها نخلاً، فيخرجانها حرفاً حرفاً? وحدث فيما رفعه إلى عبد الرحمن بن مهدي قال، كان الأوزاعي والفزاري إمامين في السنة، إذا رأيت الشامي يذكر الأوزاعي والفزاري فاطمئن إليه، كان هؤلاء الأئمة في السنة، وحدث أبو علي الروزباري: كان أربعة زمانهم واحد، كان أحدهم لا يقبل من السلطان ولا من الإخوان، يوسف بن أسباط، ورث سبعين ألف درهم لم يأخذ منها شيئاً، وكان يعمل الخوص بيده، وآخر كان يقبل من الإخوان والسلطان جميعاً، أبو إسحاق الفزاري، فكان ما يأخذه من الإخوان ينفقه في المستورين الذين لا يتحركون والذي يأخذه من السلطان ينفقه في أهل طرسوس، والثالث كان يأخذ من الإخوان ولا يأخذ من السلطان، وهو عبد الله بن المبارك، يأخذ من الإخوان ويكافيء عليه، والرابع كان يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الإخوان، وهو مخلد بن الحسين، كان يقول: السلطان لا يمن والإخوان يمنون. وحدث ابن عساكر فيما رفعه إلى الأصمعي قال: كنت جالساً بين يدي هارون الرشيد، أنشده شعراً وأبو يوسف القاضي جالس على يساره، فدخل الفضل بن الربيع فقال: بالباب أبو إسحاق الفزاري، فقال: أدخله، فلما دخل قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له الرشيد: لا سلم الله عليك، ولا قرب دارك، ولا حيا مزارك، قال لم يا أمير المؤمنين? قال: أنت الذي تحرم السواد فقال يا أمير المؤمنين من أخبرك بهذا? لعل هذا أخبرك، وأشار إلى أبي يوسف، وذكر كلمة: والله يا أمير المؤمنين، لقد خرج إبراهيم على جدك المنصور، فخرج أخي معه وعزمت على الغزو فأتيت أبا حنيفة فذكرت له ذلك، فقال لي: مخرج أخيك أحب إلي مما عزمت عليه من الغزو، ووالله ما حرمت السواد. فقال الرشيد: فسلم الله عليك وقرب دارك، وحيا مزارك، اجلس أبا إسحاق، يا مسرور ثلاثة آلاف دينار لأبي إسحاق، فأتى بها، فوضعت في يده وانصرف بها، فلقيه ابن المبارك فقال له: من أين أقبلت? قال: من عند أمير المؤمنين، وقد أعطاني هذه الدنانير، وأنا عنها غني، قال فإن كان في نفسك منها شيء فتصدق بها، فما خرج من سوق الرافقة حتى تصدق بها كلها. وفضائل أبي إسحاق كثيرة، اختصرت منها حسب ما شرطت من الإيجاز من تاريخ دمشق لابن عساكر. إبراهيم بن محمد سعدان بن المبارك النحوي، أحد من كتب وصحح ونظر وحقق، وروى وصدق، وقد صنف كتباً حسنة، منها كتاب الخيل لطيف، كتاب حروف القرآن، وأبوه محمد بن سعدان المكفوف أحد أعيان أهل العلم من القراء، وله باب يذكر فيه. إبراهيم بن القاسم الكاتب يعرف بالرقيق القيرواني، والرقيق لقب له، رجل فاضل، له تصانيف كثيرة في علم الأخبار، ومنها كتاب تاريخ إفريقية والمغرب، عدة مجلدات، وكتاب النساء كبير، وكتاب الراح والارتياح كتاب نظم السلوك في مسامرة الملوك أربع مجلدات، وذكره ابن رشيق فقال: هو شاعر سهل الكلام محكمه لطيف الطبع قويه، تلوح الكتابة على ألفاظه، قليل صنعة الشعر، غلب عليه اسم الكتابة وعلم التاريخ وتأليف الأخبار، وهو بذلك أحذق الناس، وكاتب الحضرة منذ نيف وعشرين سنة إلى الآن، ومن شعره جواباً عن أبيات كتبها إليه عمار بن جميل، وقد انقطع عن مجالس الشراب: قريض كابتسام الـرو ض جمشه نسيم صبا كعقد من جمان الـط ل منظوم وما ثقـبـا ومنثور كنـثـر الـد رِّ من أسلاكه انسربا فأهدى نشر زهرتـه فتيت المسك منتهبـا إذا أثمـاره جـنـيت جنيت العلـم والأدبـا بهزل حـين ينـشـده كأنك منتش طـربـا حباك بـه أخ يرعـى من العهد الذي وجبـا صديق مثل صفو الما ء بالصهباء قد قطبـا كنزت مـودة مـنـه كفت أن أكنز الذهبـا إذا عد امرؤ حسـبـاً فحسبي ذكره نسـبـاً ألذ من الـحـياة لـد يَّ لكن قلبه قـلـبـا فهان عليه ما ألـقـى وظن تجلدي لعـبـا جفوت الراح عن سبب وكان لجفوتي سبـبـا فصرت لوحدتي كـلاً على الإخوان مجتنبـا وذاك لـتـوبة أمـل ت أن أقضي بها أربا فها أنا نائب مـنـهـا فزرني تبصر العجبا وكان قدم مصر في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة بهدية من نصير الدولة باديس بن زيري إلى الحاكم، فقال قصيدة يذكر فيها المناهل، ثم قال: إذا ما ابن شهر قد لبسنا شبابـه بدا آخر من جانب الأفق يطلع إلى أن أقرت جيزة النيل أعيناً كما قر عيناً ظاعن حين يرجع يقول فيها بعد مدح كثير ووصف جميل: هدية مأمون السريرة نـاصـح أمين إذا خان الأمين المضـيع وما مثل باديس ظهير خـلافة إذا اختير يوماً للظهيرة موضع نصير لها من دولة حاتـمـية إذا ناب خطب أو تفاقم مطمع حسام أمير المؤمنين وسهـمـه وسم زعاف في أعاديه منقـع قال: ومن مليح كلامه قوله من قصيدةٍ: إذا ارجحنت بما تحوي مآزرهـا وخف من فوقها خصر ومنتطق ثنى الصبا غصناً قد غازلته صباً على كثيب له من ديمة لـثـق للشمس ما سترت عنا معاجرها وللغزال احورار العين والعنق مظلومة أن يقال البدر يشبههـا البدر يكسف أحياناً وينمـحـق يجلل المتن وحف من ذوائبـهـا جبينها تحت داجي ليلة فـلـق كأنها روضة زهـراء حـالـية بنورها يرتعي في حسنها الحدق قال ومن أعجب ما سمعت له قوله من قصيدة يمدح محمد بن أبي العرب: أظالمة العينين يخلطهـا سـحـر وإ ظلم الخدان واهتضم الخصـر أعوذ ببرد من ثناياك قـد ثـنـى إليك قلوباً حشو اثنائهـا جـمـر لقد ضمنـت أن ضـمـانـتـي ستبري عظامي بالنحول ولا تبرو وما أم ساجي الطرف خفاقة الحشا أطاع لها الحوذان والسلم النضـر إذا ما رعاها نصت الجيد نـحـوه أغن قصير الخطو في لحظه فتر بأملح منها نـاظـراً ومـقـلـداً ولكن عداني عن تقنصها الهجـر يقول في مديحها: تصباه أبكار العلا ليس أنهـا منعمة هيفاء أو غادة بكـر يخال بأن العرض غير موفر عن الذم إلا أن يدال له الوفر يقول فيها يصف بلاغته وكتابته: يوشح ديباج البـلاغة أحـرفـا يكاد يرى روضاً يوشحه الزهر ويفصح لفظاً خطها من فصاحة ويشرق من تحبير ألفاظها الحبر يصيب عيون المشكلات بـديهة وتبدى له أعقاب ما غيب الفكر ثم ذكر الممدوح فقال: وملمومة شهباء يسعى أمـامـهـا شهاب عزيم من طلائعه الـذعـر يزجى بنات الأعـوجـية شـزبـاً عليها بنو الهيجا دروعهم الصبـر أسود وغىً تحت العجاجة غابـهـا سريجية بيض وخطـية سـمـر صبحت بها دهماء قـوم أرتـهـم وجوه الردى حمراً خوافقها الصفر قال: ومثل هذه القصيدة في الجودة قصيدة طويلة يتشوق فيها إخوانه بمصر وهي: هل الريح إن سارت مشرقة تسري تؤدي تحياتي إلى ساكني مصـر? فما خرطت إلا بـكـيت صـبـابة وحملتها ما ضاق عن حمله صدري تراني إذا هبت قبولاً بـنـشـرهـم شممت نسيم المسك في ذلك النشـر وما أنس من شيء خلا العهد دونـه فليس بخال من ضميري ولا فكري ليال أنسناها على غـرة الـصـبـا فطابت لنا إذ وافقت غرة الـدهـر لعمري لئن كانت قصاراً أعـدهـا فلست بمعتد سواها من الـعـمـر أخادع دهري أن يعـود بـفـرصة فيفقذ روح الوصل من راحة الهجر وترجع أيام خـلـت بـمـعـاهـد من اللهو لا تنفك مني علـى ذكـر فكم لي بـالأهـرام أو دير نـهـية مصايد غزلان المكابد والقـفـر? إلى الجيزة الدنيا وما قد تضمـنـت جزيرتها ذات المواخير والجـسـر وبالمقس فالبستان للعين مـنـظـر أنيق إلى شاطئ الخليج إلى القصر وفي سردوس مستراد ومـلـعـب إلى دير مرحنا إلى ساحل البـحـر وكم بين بستـان الأمـير وقـصـره إلى البركة الزهراء من زهر نضر? تراها كمـرآة بـدت فـي رفـارف من السندس الموشى ينشر للتـجـر وكم بت في دير القصير مـواصـلاً نهاري بليلي لا أفيق من الـسـكـر تبادرني بـالـراح بـكـر غـريرة إذا هتف الناقوس في غرة الفـجـر مسيحية خوطية كـلـمـا انـثـنـت تشكت أذى الزنار من دقة الخصـر وكم ليلة لي بالـقـرافة خـلـتـهـا لما نلت من لذاتـهـا لـيلة الـقـدر سقى الله صوب القصر تلك مغـانـياً وإن غنيت بالنيل من سبل القـطـر وله أيضاً في الغزل: رئم إذا ما معاريض المنى خطرت أجله المتمـنـى عـن أمـانـيه يا إخوتي أأقاحي فيه أقبـل لـي? أم خط راءين من مسك على فيه? أم حس ذاك التراخي في تكلـمـه أم حسن ذاك التهادي في تثنيه?? أم سخطه أم رضاه أم تجنبـه??? أم عطفه أم نـواه أم تـدانـيه?? نفسي فداؤك مالي عنك مصطبـر يا قاتلي كل معنى من معـانـيه وقال يرثي: أهون ما ألقى ولـيس بـهـين بأن المنايا للفوس بمـرصـد وإني وإن لم ألقك اليوم رائحـاً لصرف رزاياها لقيتك في غد فلا يبعدنك الله ميتاً بـقـفـرة معفر خد في الثرى لم يوسـد تردى نجيعاً حين بزت ثـيابـه كأن على أعطافه فضل مجسد مضاء سنان في سنان مـذلـق وفتك حسام في حسام مهـنـد إبراهيم بن محمد بن عبيد الله بن المدبر أبو إسحاق الكاتب الأديب الفاضل، الشاعر الجواد المترسل، صاحب النظم الرائق، والنثر الفائق، تولى الولايات الجليلة، ثم وزر للمعتمد على الله، لما خرج من سر من رأى بريد مصر، ومات في سنة تسع وسبعين ومائتين وهو يتقلد للمعتضد ديوان الضياع ببغداد. وأصلهم من ستمسيان، وكان يدعي أنه من ضبة، وأخوه أحمد من جلة الكتاب وأفاضلهم وكرامهم، وحسدته الكتاب على منزلته من السلطان، فأغروه به، حتى أخرجه إلى دمشق متولياً عليها، وناظراً في تحصيل أموالها، وقبله ابن طولون في أمرٍ قد ذكرته في كتابي التاريخ. وإبراهيم بن المدبر هو القائل في إبراهيم بن العباس الصولي يهجوه: عز الطويل عن الأزمة لا رده ربـي بـذمـه إن كان طـال فـإنـه من أقصر الثقلين همه هب كنت صولاً نفسـه من كان صول ناك أمه ومن شعره أيضاً: يا كاشف الكرب بعد شدتـه ومنزل الغيث بعد ما قنطوا لا تبل قلبي بشحط بينـهـم فالموت دان إذا هم شحطوا من كتاب نظم الجمان للمنذري، قال العطوي الشاعر: أتيت إبراهيم بن المدبر، فاستأذنت عليه، فلم يأذن لي حاجبه، فأخذت ورقة وكتبت فيها: أتيتك مشتاقاً فلم أرَ جـالـسـاً ولا ناظراً إلا بوجه قـطـوب كأني غريم مقتض أو كأنـنـي نهوض حبيب أو حضور رقيب فسألت الحاجب حتى أوصلها إليه، فلما قرأها قال: ويحك، أدخل علي هذا الرجل، فدخلت فأكرمني، وقضى حوائجي. قال أبو علي: سمعت أبا محمد المهلبي يتحدث وهو وزير في مجلس أنس، أن رجلاً كان ينادم بعض الكتاب الظراف، وأحسبه قال: ابن المدبر قال: كنت عنده ذات يوم، فرجع غلام له أنفذه في شيء لا أدري ما هو، فقال له رب الدار ما صنعت? فقال ذهبت ولم يكن، فقام يجيء، فجاء، فلم يجيء، فجئت، قال فتبينت في رب الدار تغيراً وهماً، ولم يقل للغلام شيئاً، فعجبت من ذلك، ثم أخذ بيدي وقال: قد ضيق صدري ما جاء به هذا الغلام، فقم حتى تدور في البستان الذي في دارنا ونتفرج، فلعله يخف ما بي، فقلت: والله لقد توهمت أن صدرك قد ضاق بانقلاب كلام الغلام عليك، وقد فهمته وهو ظريف، فقال: إن هذا الغلام من أحصف وأظرف غلام يكون، وذاك أنني ممتحن بعشق غلام أمرد وهو ابن نجاد في جيراننا، والغلام يساعدني عليه، وأبوه يغار عليه، ويمنعه مني، فوجهت هذا الغلام، وقلت: إن لم يك أبوه هناك، فقل له يصير إلينا، فرجع، فلما رآك عندي، قدر أني لم أطلعك على الأمر فرد هذا الجواب الظريف الذي سمعته، فقلت: أعده علي أنت لأفهمه، فقال: إنه يقول: ذهبت إلى الغلام، ولم يكن أبوه هناك، فقام الغلام يجيء، فجاء أبوه، فلم يجيء الغلام فجئت أنا، فقلت له: هذا الغلام يجب أن يكون أخاً وصديقاً لا غلاماً، وقال مخلد بن علي الشامي الحوراني يهجو ابن المدبر: على أبوابه من كل وجه قصدت له أخو مر بن أد يعني ضبة بن أد، يعني أبوابه مضببة باللؤم أو محكمة عن الخير وكان ابن المدبر ينسب إلى ضبة: أخو لخم أعارك منه ثوباً هنيئاً بالقميص لك الأجد وأخو لخم يريد جذاماً. أبوك أراد أمك حين زفت فلم توجد لأمك بنت سعد بنت سعد يريد عذرة بن سعد بن هذيم القبيلة المعروفة. وزبد في الهجاء بغـير ذال أحب إليك من عسل بزبـد رأيتك لا تـحـب الـود إلا إذا ما كان من عصب وجلد أراني الله عرك في الجعبي وعينك عين بشار بن بـرد العر: الجرب. والجعبي: الأست. وعين بشار: يعني أعمى لأن بشار بن برد كان أعمى. إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال ابن عاصم، بن سعد، بن مسعود، بعمرو، بن عمير، ابن عوف، بن عقدة، بن غبرة، بن عوف، بن ثقيف، الثقفي، أصله كوفي، وسعد بن مسعود، هو أخو عبيد بن مسعود، صاحب يوم الجسر، في أيام عمر بن الخطاب مع الفرس، وسعد هو عم المختار بن أبي عبيد الثقفي، ولاه علي كرم الله وجهه المدائن، وهو الذي لجأ إليه الحسن يوم ساباط، وكنية إبراهيم أبو إسحاق، وكان جباراً من مشهوري الإمامية، ذكره أبو جعفر محمد بن الحسين الطوسي في مصنفي الإمامية، وذكر أنه مات في سنة ثلاث وثمانين ومائتين قال وانتقل من الكوفة إلى أصفهان، وأقام بها، وكان زيدياً أولاً، وانتقل إلى القول بالإمامية. وله مصنفات كثيرة، منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردة، كتاب مقتل عثمان، كتاب الشورى، كتاب بيعة أمير المؤمنين، كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب الحكمين، كتاب النهر، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنين، كتاب رسائل أمير المؤمنين وأخباره وحروبه، غير ما تقدم، كتاب قيام الحسن بن علي رضي الله عنهما، كتاب مقتل الحسين، كتاب التوابين وعين الوردة، كتاب أخبار المختار، كتاب فدك: كتاب الحجة في فعل المكرمين، كتاب السرائر، كتاب المودة في ذوي القربى، كتاب المعرفة، كتاب الحوض والشفاعة، كتاب الجامع الكبير في الفقه، كتاب الجامع الصغير، كتاب ما نزل منن القرآن في أمير المؤمنين، كتاب فضل الكوفة، ومن نزلها من الصحابة، كتاب الإمامة كبير، كتاب الإمامة صغير، كتاب المتعتين، كتاب الجنائز، كتاب الوصية، كتاب المبتدإ كتاب أخبار عمر، كتاب أخبار عثمان، كتاب الدار، كتاب الأحداث، كتاب الحرورية، كتاب الاستيفاء والغارات، كتاب السير، كتاب يزيد، كتاب ابن الزبير، كتاب التعبير، كتاب التاريخ، كتاب الرؤيا، كتاب الأشربة الكبير والصغير، كتاب محمد وإبراهيم، كتاب من قتل من آل محمد، كتاب الخطب. إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي عون ابن هلال أبي النجم الكاتب أبو إسحاق، صاحب كتاب التشبهات لابن أبي عون، وكان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الشلمغاني، المعروف بابن أبي العزاقر، وأحد ثقاته، وممن كان يغلو في أمره، ويدعي أنه إلهه، تعالى الله عن ذلك، وكان ابن أبي العزاقر من أهل قرية من قرى واسط، تعرف بشلغمان، وكان كاتباً ببغداد. ذكر ثابت أن المحسن بن الفرات، كان له عناية به، فاستخلفه ببغداد لجماعة من العمال بنواحي السلطان، وكانت صورته صورة الحلاج، وكان له قوم يدعون أنه إلههم، وأن روح الله عز وجل حل في آدم، ثم في شيث، ثم في واحد واحد من الأنبياء والأوصياء، والأئمة، حتى حل في الحسن بن علي العسكري، وأنه حل فيه، ووضع كتاباً سماه الحاسة السادسة، وأباح الزنا والفجور، فظفر به الراضي بالله، فقتله في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكان قد استغوى جماعة، منهم: ابن أبي عون صاحب كتاب التشبيهات، وكانوا يبيحونه حرمهم، وأموالهم يتحكم فيها، وكان يتعاطى الكمياء وله كتب معروفة ولما أخذ ابن أبي العزاقر، أخذ معه، فلما قتل ابن أبي العزاقر، عرض على إبراهيم بن أبي عون أن يشتمه، أو يبصق عليه، فأبى وأرعد وأظهر خوفاً من ذلك للحين، والشقاء، فقتل، وألحق بصاحبه، وكان من أهل الأدب، وتأليف الكتب، وكان ناقص العقل متهوراً. قال ثابت: قيل إن أبا جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر ادعى الربوبية فقتل هو وإبراهيم ابن محمد بن أحمد بن أبي النجم، المعروف بابن أبي عون صاحبه، ضربا بالسوط، ثم ضربت أعناقهما وصلبا، ثم أحرقت جثتهما، وذلك يوم الثلاثاء، لليلة خلت من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، نقلته من خطه، وله من التصانيف كتاب النواحي والبلدان، كتاب الجوابات المسكتة، وكتاب التشبيهات، كتاب بيت مال السرور، كتاب الدواوين. كتاب الرسائل. قال المرزباني: أبو عون أحمد بن أبي النجم الكاتب الأنباري، مولى لبني سليم، وأبو عون وعماه صالح وماجد ابنا أبي النجم شعراء كلهم، وماجد يكنى أبا الدميل، وأبو عون هو القائل في حاتم بن الفرج وكان أبو شبل البرجمي الشاعر في قدمته سر من رأى نزل عليه، وكان أبو شبل أهتم، فقال فيه أبو عون: لحاتم في بخـلـه فـطـنة أدق حساً من خطى النمل قد جعل الهتمان ضيفـانـه فصار في أمنٍ من الأكـل ليس على خبز امرئ ضيعة آكله عصـم أبـو شـبـل كم قدر ما كـلـه كـفـه إلى فم من سنه عـطـل? فحاتم الجود أخـو طـيء كان وهذا حاتم الـبـخـل وذكر أبو محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني، وكان ابن أبي عون أحد القواد، ممن قربه إليه أبو الهيثم العباس بن محمد بن ثوابة، وأكسبه مالاً، فلما قبض على أبي الهيثم صار ابن أبي عون عوناً عليه مع أعدائه، وكان فيمن وكله بدار أبي الهيثم، ولم يحسن إليه أبو الهيثم إلا على بصيرة فيه بظلمه وفسقه، فسلطه الله عليه، كما كان هو يسلطه على الناس، قال ابن أبي عون: أظن أن أبا الهيثم كان يهودياً، قيل: وكيف ذلك? قال لأني أخذت غلاماً له ففسقت به في دبره وسكرت، وطلبت أم ولده لأفجر بها، ولم أقدر عليها، ولو كان أبو الهيثم مسلماً لغضب الله له، وهذا قول متمرد على الله، مستغر بإمهال الله تعالى له، ولم يهمله الله عز وجل، ثم أخذه بسوء عمله، وكان ممن آمن بالحلاج وآمن بربوبيته، وأخذ مع من أخذ من أصحاب الحلاج، وقتل شر قتلة، كذا قال الحلاج، إنما هو ابن أبي العزاقر، وإن كانت علتهما واحدة. وقرأت بمرو رسالة كتبت من بغداد عن أمير المؤمنين الراضي رضي الله عنه إلى أبي الحسين نصر بن أحمد الساماني والي خرسان بقتل العزاقري، لخصت ما يتعلق بابن أبي عون، قال فيها بعد أن ذكر أول من أبدع مذهباً في الإسلام من الرافضة وأهل الأهواء، وآخر من اضطر المقتدر بالله رحمه الله فانتقم منهم من المعروف بالحلاج، وخبره أرفع وأشهر من أن يوصف ويذكر، وأراق دمه وأزال تمويهه وحسمه. ولما ورث أمير المؤمنين ميراث أوليائه، وأحله الله محل خلفائه، اقتدى بسنتهم، وجرى على شاكلتهم، في كل أمر قاد إلى مصلحة، ودفع ضرر، وعاد إلى الإسلام وأهله بمنفعة، وجعل الغرض الذي يرجو الإصابة بتيممه، والمثوبة بتعمده، أن يتتبع هذه الطبقة من الكفار، ويطهر الأرض من بقيتهم، الفجار، فبحث عن أخبارهم، وأمر بتقصص آثارهم، وأن ينهي إليه ما يصح من أمورهم، ويحصل له ما يظهر عليه من جمهورهم، فلم يعد أن أحضر أبو علي محمد وزير أمير المؤمنين رجلاً، يقال له محمد بن علي الشلغماني، ويعرف بابن أبي العزاقر، فأعلم أمير المؤمنين أنه من غمار الناس وصغارهم، ووجوه الكفار وكبارهم، وأنه قد استزل خلقاً من المسلمين، وأشرك طوائف من العمهين، وأن الطلب قد كان لحقه في الأيام الخالية فلم يدرك، وأودعت المحابس قوماً ممن ضل وأشرك، فلما رفع حكمه عنه، وأذن في استنقاذ العباد منه، واطلع من أبي عليّ على صفاء نية، ونقاء طوية، في ابتغاء الأجر، وطلابه رضا الله عز وجل واكتسابه، والامتعاض من أن ينازع في الإلهية، أو يضاهي في الربوبية، آنسه بناحيته فاسترسل، وحثه بالمصير إلى حضرته، فتعجل، ففحص أمير المؤمنين عنه، ووكل إليه همه ففتش أمره تفتيش الحائط للمملكة، المحامي عن الحوزة، القائم بما فوضه الله إليه من رعاية الأمة، ووقف أمير المؤمنين على أنه لم يزل يدخل على العقول من كل مدخل، ويتوصل إلى ما فيها من كل متوصل، ويعتزى إلى الملة وهو لا يعتقدها، وينتمي إلى الخلة وهو عار منها، ويدعي العلوم الإلهية وهو عمٍ عنها، ويحقق استخراج الحكم الغامضة وهو جاهل بها، ويتسم بالقدرة على المعجزات، وهو عاجز عن ممكن الأشياء ومتهيئها، وينتحل الثقة في دين آل محمد، وهو يضمر التبرؤ منها، ويشنؤه ويسبه صلى الله عليه وسلم ويعظمه، يرمق ظاهره العيون، فيصرف عنه الظنون، إلى أن دلته الحيلة والمكر والغيلة، على قوم من ذوي الجدة واليسار والثروة والاحتكار، قد أترفهم النعيم فبطروا، وألهاهم فأشروا، ولججهم في بحار اللذة وتولجوها على كل علة، والتمسوا في ذلك رخصة يجعلونها لأنفسهم عمدة وعصمة، وآخرين لا جدة عندهم ولا سعة، قد قويت شهواتهم، وضعفت حالاتهم، فهم يطلبون أقواتهم بالحق والباطل، ويخوضون في مثلها مع الجاد والهازل، فأباحهم المحظورات، وأحل لهم المحرمات، وامتطى لهم مركب الغرور، وتهور بهم غايات الأمور، ولم يدع فناً من الفنون، ولا نوعاً من الأنواع المخزية إلا فسح لهم فيه، وشحذ عزائمهم عليه، حتى دان له واتبعه وأطاعه وشايعه خلق رين على قلوبهم، فهم لا يفقهون، وضرب على آذانهم، فهم لا يسمعون، وغطيَ على أعينهم، فهم لا يبصرون، وحيل بينهم وبي الرشد، فهم لا يرعوون وأنسوا التدبر والتفكر في خلق أنفسهم، والسماء التي تظللهم، والأرض التي تقلهم فأصفقوا بأجمعهم على أنه خالقهم، وربهم ورازقهم، ومحييهم، يحل فيما شاء من الصور، ويحدث ما شاء من الغير، ويفعل ما يريد، ولا يعجزه قريب ولا بعيد، وادعوا له الدعاوى الباطلة، وزعموا أنهم عاينوا منه الآيات المعضلة، واستظهر أمير المؤمنين، بأن تقدم إلى أبي عليٍّ بمواقفة هذا اللعين على تمويهاته، وقبائح تلبيساته، ليكون إقامة أمير المؤمنين حد الله عليه، بعد الإنعام في الاستبصار، وانكشاف الشبهة فيه عن القلوب والأبصار، فتجرد أبو علي في ذلك وتشمر، وبلغ منه وما قصر وانثال عليه كل من اطلع على الحقيقة، وتعرف جلية الصورة فوقف أبو علي على أن العزاقري يدعي أنه لحق الحق، وأنه إله الآلهة، الأول القديم، الظاهر، الباطن، الخالق، الرازق، التام، الموصى إليه بكل معنى، ويدعى بالمسيح، كما كانت بنو إسرائيل تسمي الله عز وجل المسيح، ويقول: إن الله جل وعلا، يحل في كل شيء، على قدر ما يحتمل، وأنه خلق الضد ليدل به على مضدوده، فمن ذلك أنه جلى في آدم لعيه السلام لما خلقه، وفي إبليس، وكلاهما لصاحبه يدل عليه لمضادته إياه في معناه، وأن الدليل على الحق أفضل من الحق، وأ الضد أقرب إلى الشيء من شبهه، وأن الله عز وجل إذا حل في هيكل جسد ناسوتي، أظهر من القدرة المعجزة ما يدل على أنه هو، وأنه لما غاب آدم عليه السلام، ظهر اللاهوت في خمسة ناسوتية، كلما غاب منهم واحد، ظهر مكانه غيره، وفي خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة، ثم اجتمعت اللاهوتية في إدريس عليه السلام، وإبليسه، وتفرقت بعدهما، كما تفرقت بعد آدم عليه السلام واجتمعت في نوح عليه السلام وإبليسه، وتفرقت عند غيبتهما، حسب ما تقدم ذكره، واجتمعت في صالح وإبليسه عاقر الناقة، وتفرقت بعدهما، واجتمعت في إبراهيم وإبليسه نمرود، وتفرقت بعدهما، واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون، وتفرقت على الرسم بعدهما، واجتمعت في داود عليه السلام وإبليسه جالوت، وتفرقت لما غاب، واجتمعت في سليمان عليه السلام وإبليسه، وتفرقت كعادتها بعدهما، واجتمعت في عيسى عليه السلام وإبليسه، ولما غاب تفرقت في تلامذة عيسى كلهم عليهم السلام، والأبالسة معهم، واجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه، وتفرقت بعدهما، إلى أن اجتمعت في ابن أبي العزاقر وإبليسه، ويصف أن الله عز وجل يظهر في كل شيء بكل معنى، وأنه في كل أحد بالخاطر الذي يخطر بقلبه، فيتصور له ما يغيب عنه كأنه يشاهده، وأن الله اسم لمعنى، ومن احتاج إليه الناس فهو إلههم، ولهذا يستوجب كل كفيٍّ أن يسمى الله، وأن كل واحد من أشياعه لعنه الله يقول: إنه رب لمن هو دون درجته، وأن الرجل منهم يقول: إني رب فلان، وفلان رب فلان، حتى الانتهاء إلى ابن أبي العزاقر، لعنه الله، فيقول أنا رب الأرباب، وإله الآلهة، لا ربوبية لرب بعدي، وأنهم لا ينسبون الحسن والحسين رضي الله عنهما إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، لأن من اجتمعت له اللاهوتية لم يكن له والد ولا ولد، وأنهم يسمون موسى ومحمداً صلى الله عليهما الحائنين، لأنهم يدعو أن هارون أرسل موسى عليهما السلام، وأن علياً رضي الله عنه، أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم فخاناهما، ويزعمون أن علياً أمهل النبي صلى الله عليه وسلم عدة أيام أصحاب الكهف سنين، فإذا انقضت هذه المدة وهي خمسون وثلاثمائة سنة تنقلب الشريعة، ويصفون أن الملائكة كل من ملك نفسه، وعرف الحق ورآه، وأن الحق حقهم، وأن الجنة معرفتهم، وانتحال نحلتهم، والنار الجهل بهم، والصدود عن مذهبهم، ويغتفرون ترك الصلاة والصيام والاغتسال، ويذكرون أن من نعم الله على العبد، أن يجمع له اللذتين، وأنهم لا يتناكحون بتزويج على السنة، ولا بحال تأول أو رخصة، ويبيحون الفروج ويقولون: إن محمداً عليه السلام بعث إلى كبراء قريش وجبابرة العرب، وقلوبهم قاسية، ونفوسهم آبية، فكان من الحكمة ما طالبهم به من السجود، وأن من الحكمة الآن أن يمتحن الناس في إباحة فروج حرمهم، وأن لا شيء عندهم في ملامسة الرجل نساء ذوي رحمه، وحرم صديقه وأبيه بعد أن يكون على مذهبه، ولا ينكرون أن يطلب أحدهم من صاحبه حرمته ويردها إليه، فيبعث بها طيبة نفسه، وأنه لابد للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه. وابن أبي العزاقر له في هذه الخصلة كتاب، سماه كتاب الحاسة السادسة، وقال: إنه متى أبى ذلك آب قلب في الكون الذي يجيء بعد هذا امرأة، إذ كان يحقق التناسخ وأنه ومن معه يرون البراءة من الطالبيين، كما يرونها من العباسيين، ويدعون إلى أنفسهم دون غيرهم، إذ كان الحق عندهم، ويظهر فيهم، ووجد كتاب من الحسين ابن القاسم، بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، قيل إنه إلى إبراهيم بن محمد، بن أحمد بن أبي النجم، المعروف بابن أبي عون، أحد وجوه العزاقرية، ترجمته:إبليسه، وتفرقت بعدهما، كما تفرقت بعد آدم عليه السلام واجتمعت في نوح عليه السلام وإبليسه، وتفرقت عند غيبتهما، حسب ما تقدم ذكره، واجتمعت في صالح وإبليسه عاقر الناقة، وتفرقت بعدهما، واجتمعت في إبراهيم وإبليسه نمرود، وتفرقت بعدهما، واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون، وتفرقت على الرسم بعدهما، واجتمعت في داود عليه السلام وإبليسه جالوت، وتفرقت لما غاب، واجتمعت في سليمان عليه السلام وإبليسه، وتفرقت كعادتها بعدهما، واجتمعت في عيسى عليه السلام وإبليسه، ولما غاب تفرقت في تلامذة عيسى كلهم عليهم السلام، والأبالسة معهم، واجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه، وتفرقت بعدهما، إلى أن اجتمعت في ابن أبي العزاقر وإبليسه، ويصف أن الله عز وجل يظهر في كل شيء بكل معنى، وأنه في كل أحد بالخاطر الذي يخطر بقلبه، فيتصور له ما يغيب عنه كأنه يشاهده، وأن الله اسم لمعنى، ومن احتاج إليه الناس فهو إلههم، ولهذا يستوجب كل كفيٍّ أن يسمى الله، وأن كل واحد من أشياعه لعنه الله يقول: إنه رب لمن هو دون درجته، وأن الرجل منهم يقول: إني رب فلان، وفلان رب فلان، حتى الانتهاء إلى ابن أبي العزاقر، لعنه الله، فيقول أنا رب الأرباب، وإله الآلهة، لا ربوبية لرب بعدي، وأنهم لا ينسبون الحسن والحسين رضي الله عنهما إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، لأن من اجتمعت له اللاهوتية لم يكن له والد ولا ولد، وأنهم يسمون موسى ومحمداً صلى الله عليهما الحائنين، لأنهم يدعو أن هارون أرسل موسى عليهما السلام، وأن علياً رضي الله عنه، أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم فخاناهما، ويزعمون أن علياً أمهل النبي صلى الله عليه وسلم عدة أيام أصحاب الكهف سنين، فإذا انقضت هذه المدة وهي خمسون وثلاثمائة سنة تنقلب الشريعة، ويصفون أن الملائكة كل من ملك نفسه، وعرف الحق ورآه، وأن الحق حقهم، وأن الجنة معرفتهم، وانتحال نحلتهم، والنار الجهل بهم، والصدود عن مذهبهم، ويغتفرون ترك الصلاة والصيام والاغتسال، ويذكرون أن من نعم الله على العبد، أن يجمع له اللذتين، وأنهم لا يتناكحون بتزويج على السنة، ولا بحال تأول أو رخصة، ويبيحون الفروج ويقولون: إن محمداً عليه السلام بعث إلى كبراء قريش وجبابرة العرب، وقلوبهم قاسية، ونفوسهم آبية، فكان من الحكمة ما طالبهم به من السجود، وأن من الحكمة الآن أن يمتحن الناس في إباحة فروج حرمهم، وأن لا شيء عندهم في ملامسة الرجل نساء ذوي رحمه، وحرم صديقه وأبيه بعد أن يكون على مذهبه، ولا ينكرون أن يطلب أحدهم من صاحبه حرمته ويردها إليه، فيبعث بها طيبة نفسه، وأنه لابد للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه. وابن أبي العزاقر له في هذه الخصلة كتاب، سماه كتاب الحاسة السادسة، وقال: إنه متى أبى ذلك آب قلب في الكون الذي يجيء بعد هذا امرأة، إذ كان يحقق التناسخ وأنه ومن معه يرون البراءة من الطالبيين، كما يرونها من العباسيين، ويدعون إلى أنفسهم دون غيرهم، إذ كان الحق عندهم، ويظهر فيهم، ووجد كتاب من الحسين ابن القاسم، بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، قيل إنه إلى إبراهيم بن محمد، بن أحمد بن أبي النجم، المعروف بابن أبي عون، أحد وجوه العزاقرية، ترجمته: إلى مولاي بشرى، من غلامه مرزوق الثلاج، المسكين الفقير، الذي بفضل الله يجمع الله بينه وبينه، في خير وعافية برحمته، يقول في فصل منه: على مولاي أعتمد، وهو حسبي، وفي فصل آخر: ومولاي أهل للتفضل علي، ورحمة ضعفي، وأرجو ألا يتأخر بفضله عني، وينجزني وعده، وعيني ممدودة إلى تفضل مولاي، وأسأله به إعانتي، فسئل ابن أبي العزاقر عن ذلك الكتاب، فكتب بيده? إنه بخط الحسين بن علي بن القاسم، إلى ابن أبي عون، ووافق ابن أبي عون على ذلك لأن الله أظفر به ومكن منه، ورداه رداء ما عمل، ووفاه غاية ما كتب له من المهل، واعترف بأنه كتاب الحسين ابن علي بن القاسم إليه، وأن ما على عنوانه صحيح، وأنه هو بشرى، وأن مرزوقاً الثلاج هو الحسين بن القاسم، وكتب ذلك بخطه، وأشهد جماعة من العدول على ما اعترف به: ووجدت رقعة لابن أبي عون هذا بخطه، إلى بعض نظرائه، يخاطبه فيها كما يخاطب الإنسان ربه، تبارك وتعالى، ويقول في بعض فصولها: لك الحمد، وكل شيء، وما شئت كان، ربي، وفي فصل آخر منها: ولك الحمد على تشريفك وتقريبك، فوقف عليها، واعترف بها، وأشهد على نفسه عدة من العدول بصحتها. ووجدت رقعة من المعروف بابن شيث الزيات، إلى ابن أبي عون هذا، يقول فيها: يا مولاي، عوائد مولاي عندي لطيفة، ورحمته وتفضله، وجميل إحسانه بامتنانه علي على كل حال، وائتناسي تفضل منه ورحمة، فأسأله بجوده، أن يتمم ما تفضل به، ولا يسلبني إياه، فإن نعمه عليّ ظاهرة وباطنة، قد ألبسني عافيته، وأصلح شأني، واصلح ولدي، ورزقني القناعة، وفي ذلك الغناء الأكبر، وأكبر منه تفضله عليّ بأمر عظيم، لا يجازى بشكر، ولا يسعه إلا تفضله، فإن مولاي الكبير، دعاني ابتداء فصرت إليه، فقربني وأدناني، ومنّ علي بحديثه، وسقاني بعد جهد بيده، وقربني غاية القرب، ومع هذه الحالة العظيمة، وإعطائه لي الملك الخفي، فقد صحا قلبي عن كل كسر كان فيه، وكل شدة جرت، وفعل بي ما لم يفعله بالثلاج، وأرجو أن يمن مولاي بإتمام صلاحي ديناً ودنيا، والمنة لمولاي، وأسأل مولاي الإحسان والتفضل، فإني فقير على كل حال، وأرجو منه توسعة في كل ضيق، وأمناً من كل خوف وأماناً من الشدائد، وما هو أولى به مما لا أعلمه وهو القادر عليه، والرحيم فيه، بمنه وجميل إحسانه، وهو حسبي ونعم الوكيل. واعترف ابن أبي عون أنها إليه، وأن المخاطبة فيها له، وأن ابن شيث أراد بقوله "مولاي الكبير"، ابن أبي العزاقر، وبقوله "الثلاج" الحسين بن القاسم، وأعطى بذلك خطه، وأشهد به، ووجد هذا الرجل مستبصراً في كفره، مستظهراً في أمره، مستقصياً في طريق غيه، ماضياً في عنان شركه وإفكه، حتى إنه كلف التبرؤ من ابن أبي العزاقر لعنه الله ونيله بإهانة يصغر بها قدره، فامتنع من ذلك وأبى، وحاد عنه واستعصى، إلى أن لم يجد محيصاً، فمد يده إلى لحيته، على سبيل توقير وتكريم، وإجلال وتعظيم، وصرف تعد، وإماطة الأذى، وقال معلناً غير مخافت، "مولاي مولاي" هذا إلى ما وجد بخطه، وخطوط نظرائه، من الكبائر التي لا تسوغ في الدين، ولا يحتملها ذو يقين، وإلى ما رسمته هذه الفرقة من الأدعية، التي موهت بها على أهل الوكالة، والغباوة، وإذا تأملها أولو الروية والرواية، وجدت مباينة لما ألف في الشريعة، مشوبة بالمكر والتدليس، مشحونة بالختل والتلبيس، محلة دم مبتدعها، والمتمسك بها، واستفتى أبو علي القضاة والفقهاء، في أمر ابن أبي العزاقر وصاحبه هذا الكافر، وسائر من على مذهبه، ممن وجدت له كتب ومخاطبة، ومن لم يوجد له ذلك، فأفتى من استفتى منهم بقتلهم، وأباحوا دماءهم، وكتبوا بذلك خطوطهم، فأمر أمير المؤمنين بإحضار ابن أبي العزاقر اللعين، وابن أبي عون صاحبه، وضريبه وتابعه، وأن يجلدا، ليراهما من سمع بهما، ويتعظ بما نزل من العذاب بساحتهما، ويتبين من دان بربوبية ابن أبي العزاقر عجزه عن حراسة نفسه، وأنه لو كان قادراً، لدفع عن مهجته، ولو كان خالقاً دفع وكشف الضر عن جسده، ولو كان رباً لقبض الأيدي عن نكايته. وجدد أمير المؤمنين الاستظهار، والحزم والروية فيما يمضيه عن العزم، وأحضر عمر بن محمد القاضي بمدينة السلام، والعدول بها، والفقهاء من أهل مجلسه، وسألهم عما عندهم، مما انكشف من أمر ابن أبي العزاقر، وأمور أهل دعوته، وغيه وضلالته، فأقامت الكافة على رأيها في قتله، وتطهير الأرض من رجسه، ورجس مثله، وزال الشك في ذلك عن أمير المؤمنين بالفتيا، وإجماع القاضي والفقهاء، وبما وضح من إزلال هذا الضلال المسلمين، وإفساد الدين، وذلك أعظم وأثقل وزراً من الإفساد في الأرض، والسعي فيها بغير الحق، وقد استحق من جرى هذا المجرى القتل، فأوعز أمير المؤمنين بصلبه وصلب ابن أبي عون، بحيث يراهما المنكر والعارف، ويلحظهما المجتاز والواقف، فصلبا في أحد جانبي مدينة السلام، ونودي عليهما بما حاولاه من إبطال الشريعة. ورأياه من إفساد الديانة. ثم تقدم أمير المؤمنين بقتلهما، ونصب رؤوسهما، وإحراق أجسامهما، ففعل ذلك بمشهد من الخاصة والعامة، والنظارة والمارة. إبراهيم بن محمد نفطويه هو إبراهيم بن محمد، بن عرفة بن سليمان، بن المغيرة ابن حبيب بن المهلب، بن أبي صفرة، العتكي الأزدي من أهل واسط وكنيته أبو عبد الله. قال الثعالبي: لقب نفطويه تشبيهاً إياه بالنفط، لدمامته وأدمته، وقدر اللقب على مثال سيبويه لأنه كان ينسب في النحو إليه، ويجري في طريقته، ويدرس شرح كتابه، وأنشدوا: لو أنزل النحو على نفطويه: قال وقد صيره ابن بسام نفطوية بضم الطاء وتسكين الواو وفتح الياء فقال:
رأيت في النـوم أبـي آدمـاً صلى عليه الله ذو الفضـل فقال أبلغ ولـدي كـلـهـم من كان في حزن وفي سهل بأن حـوا أمـهـم طـالـق إن كان نفطوية من نسلـي كان عالماً بالعربية، واللغة، والحديث، أخذ عن ثعلب، والمبرد، وغيرهما، روى عنه أبو عبيد الله المرزباني، وأبو الفرج الأصبهاني، وابن حيوية، وغيرهم، ذكره المرزباني في المقتبس، فقال: ولد في سنة أربع وأربعين ومائتين قال: ومات رحمه الله يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وحضرت جنازته عشاء، ودفن في مقابر باب الكوفة، وصلى عليه البربهاري، وكان يخضب بالوسمة، قال: وكان من طهارة الأخلاق، وحسن المجالسة، والصدق فيما يرويه، على حلا ما شاهدت عليها أحداً ممن لقيناه. وكان يقول: جلست إلى هذه الأسطوانة مذ خمسون، يعني محلته بجامع المدينة، وكان حسن الحفظ للقرآن، أول ما يبتدئ به في مجلسه بمسجد الأنباريين بالغدوات، إلى أن يقرئ القرآن، على قراءة عاصم، ثم الكتب بعده، وكان فقيهاً، عالماً بمذهب داود الإصبهاني، رأساً فيه، يسلم له ذلك جميع أصحابه، وكان مسنداً في الحديث من أهل طبقته، ثقة، صدوقاً، لا يتعلق عليه شيء من سائر ما رووه، وكان حسن المجالسة للخلفاء والوزراء، متقن الحفظ للسيرة، وأيام الناس، وتواريخ الزمان، ووفاة العلماء وكانت له مروءة، وفتوة وظرف. ولقد هجم علينا يوماً ونحن في بستان كان له بالزبيدية في سنة عشرين، أو إحدى وعشرين وثلاثمائة، فرآنا على حال تبذل، فانقبضت: وذهبت أعتذر إليه: فقال: في التعاقل على التبذل سخف، ثم أنشدنا لنفسه: لنا صديق غير عالي الهـمـم يحصي على القوم سقاط الكلم ما استمتع الناس بشيء كمـا يستمتع الناس بحسم الحـشـم قال المرزباني: وكان يقول من الشعر المقطعات، في الغزل، وما جرى مجراها: كما يقول المتأدبون، وسنورد من ذلك فيما بعد إن شاء الله حسب الكفاية. وكان بين أبي عبد الله فطويه، وبين محمد بن الأصبهاني مودة أكيدة، وتصاف تام، وكان ابن داود يهوى أبا الحسين محمد بن جامع الصيدلاني، هوىً أفضى به إلى التلف. وقال ابن عرفة نفطويه، فدخلت عليه في مرضه الذي مات فيه، فقلت يا سيدي ما بك? فقال: حب من تعلم، أورثني ما ترى، فقلت: ما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه? فقال: الاستمتاع نوعان: محظور، ومباح، أما المحظور، فمعاذ الله منه، وأما المباح فهو الذي صيرني إلى ما ترى، ثم قال: حدثني سويد بن سعيد الحدثاني، عن أبي يحيى القتات عن مجاهد، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حب فعف وكتم، ثم مات، مات شهيداً" ثم غشي عليه ساعة، وأفاق، ففتح عينيه، فقلت له أرى قلبك قد سكن، وعرق جبينك قد انقطع، وهذا أمارة العافية، فأنشأ يقول: أقول لصاحبـي وسـلـيانـي وغرهما سكون حمى جبينـي تسلوا بالتعزي عـن أخـيكـم وخوضوا في الدعاء وودعوني فلم ادع الأنين لضعف سـقـم ولكني ضعفت عـن الأنـين ثم مات من ليلته، وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين فيقال إن نفطويه تفجع عليه، وجزع جزعاً عظيماً، ولم يجلس للناس سنة كاملة، ثم ظهر بعد السنة فجلس، فقيل له في ذلك فقال: إن أبا بكر بن داود قال لي يوماً، وقد تجارينا حفظ عهود الأصدقاء، فقال: أقل ما يجب للصديق أن يتسلب على صديقه سنة كاملة، عملاً بقول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر فحزنا عليه سنة كما شرط. قال المؤلف لهذا الكتاب: وأخبار أبي بكر بن داود كثيرة، مليحة رائقة، وقد أفردنا له باباً في هذا الكتاب، فقف عليه تطرب وتعجب، قال المرزباني: ومما أنشدنا لنفسه في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة: غنج الفتور يجول في لحظاتـه والورد غض النبت في وجناته وتكل ألسنة الورى عن وصفه أو أن تروم بلوغ بعض صفاته لا يعرف الإسعاف إلا خطـرة لك طول الصد من عزماتـه لا يستطيع نعم ولا يعتـادهـا بل لا يسوغ لعل في لهواتـه قال وأنشدنا لنفسه: تشكو الفراق وأنت تزمع رحـلة هلا أقمت ولو على جمر الغضا فالآن عذ بالصبر أو مت حسـرة فعسى يرد لك النوى ما قد مضى قال وأنشدنا لنفسه: أتخالني من زلة أتـعـتـب قلبي عليك أرق مما تحسب قلبي وروحي في يديك وإنما أنت الحياة فأين منك المهرب قال مؤلف الكتاب: ولم يورد أبو عبيد الله إلا هذين البيتين، وأنشدني بعض الأصدقاء، البيت الأول منها، وأتبعه بما لا أعلم، أهو من قول نفطويه أو غيره، وهو: لا يوحشنك ما صنعت فتنـثـنـي متجنباً فـهـواك لا يتـجـنـب أنت البريء من الإساءة كلـهـا ولك الرضى وأنا المسيء المذنب وحياة وجهك وهو بـدر طـالـع وسواد شعرك وهو ليل غيهـب ما أنت إلا مهجتي وهي الـتـي أحيا بها أترى على من أغضب? قال المرزباني وأنشدني لنفسه: كفى بالهوى بلوى وبالحب محنة وبالهم تعذيباً وبالعذل مغـرمـا أما والذي يقضي الأمور بأمـره فما شاء أمضاه وما شاء أحكما لقد حملتني صبوتي وصبابـتـي من الشوق ما أضنى الفؤاد وتيما قال وأنشدنا لنفسه: تجل بلواي عن الـبـلـوى ويذهل القلب عن الشكوى يظلمني من لا أرى ظلمـه وما عليه لي من عـدوى عذبي الحـب ولـكـنـي لا أطلب الراحة بالبلـوى سلط من أهوى علي الضنى لا آخذ الله الـذي أهـوى قال: وله: لك خد تذيبـه الأبـصـار يخجل الورد منه والجلنار لا تغيبي ع ناظري فإنـي أنا من لحظتي عليك أغار وكان بين نفطويه وابن دريد مماظة فقال فيه لما صنف كتاب الجمهرة: إبـن دريد بـقـره وفيه لـؤم وشـره قد ادعى بجـهـلـه جمع كتاب الجمهرة وهو كتاب العين إلا أنـه قـد غــيره فبلغ ذلك ابن دريد فقال يجيبه: لو أنزل الوحي على نفطويه لكان ذاك الوحي سخطاً عليه وشاعر يدعى بنصف اسمـه مستأهل للصفع في أخدعيه أحرقه الله بنصـف اسـمـه وصير الباقي صراخاً علـيه وحدث ابن شاذان قال: بكر نفطويه إلى درب الرواسين، فلم يعرف الموضع، فتقدم إلى رجل يبيع البقل، فقال له: أيها الشيخ، كيف الطريق إلى درب الرواسين? قال فالتفت البقلي إلى جار له، فقال: يا فلان ألا ترى إلى الغلام فعل الله به وصنع، قد احتبس علي، فقال وما الذي تريد منه? فقال عوق السلق علي، فما عندي ما أصفع به هذا العاض بظر أمه، فانسل ابن عرفة ولم يجبه، وأنشد الخطيب لنفطويه: كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني منه الحياء وخوف الله والحـذر كم قد خلوت بمن أهوى فيقنعني منه الفكاهة والتحديث والنظـر أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم وليس لي في سواه منهم وطـر كذلك الحب لا إتيان معـصـية لا خير في لذة من بعدها سقـر ومنه: أستغفر الله مما يعلـم الـلـه إن الشقي لمن لم يرحم اللـه هبه تجاوز لي عن كل مظلمة واسوءتا من حياء يوم ألقـاه وذكره الزبيدي في كتابه، فقال: كان بخيلاً، ضيقاً في النحو، واسع العلم بالشعر. قال أبو هلال في كتاب الأوائل: حدثني أبو أحمد، قال: كنا في مجلس نفطويه وهو يملي، فدخل غلام وضيء الوجه، وقال: قال رجل من أهل عصرنا: كم خاس ميعادك يا مخـلـف كم تخلف الوعد وكم تحلف?? قد صرت لا أدعو على كاذب ولا ظلوم الفعل لا ينـصـف فما شك أحد ممن حضر، أن الغلام كان وعده وأخلفه، وأن الشعر له، وكان نفطويه مع كونه من أعيان العلماء، وعلماء الأعيان، غير مكترث بإصلاح نفسه، فكان يفرط به الصنان، فلا يغيره، فحضر يوماً مجلس حامد بن العباس، وزير المقتدر، فتأذى هو وجلساؤه بكثرة صنانه، فقال حامد: يا غلام، أحضرنا مرتكاً، فجاء به، فبدأ الوزير بنفسه فتمرتك، وأداره على الجلساء فتمرتكوا، وفطوا ما أراد بنفطويه، وأنه أراد من نفطويه أن يتمرتك، فيزول صنانه، من غير أن يجبهه بما يكره، فقال نفطويه لا حاجة بي إليه، فراجعه فأبى، فاحتد حامد واغتاظ، وقال له يا عاض كذا من أمه، إنما تمرتكنا جميعاً لتأذينا بصنانك، قم لا أقام الله لك وزناً، ثم قال: أخرجوه عني، أو أبعدوه إلى حيث لا أتأذى به، وقال ابن بشران أبو محمد عبيد الله في تاريخه. ومن شعر نفطويه: الجد أنفع من عـقـل وتـأديب إن الزمان ليأتي بالأعـاجـيب كم من أديب يزال الدهر يقصده بالنائبات ذوات الكره والحوب وامرئ غـير ذي دين ولا أدب معمر بين تأهيل وتـرحـيب ما الرزق من حيلة يحتالها فطن لكنه من عطاء غير محسـوب قال: وكان كثير النوادر، ومن نوادره، قيل لبهلول في كم يوسوس الإنسان، فقال: ذاك إلى صبيان المحلة، قال: وقيل لبعض الشيعة، معاوية خالك، فقال لا أدري، أمي نصرانية، والأمر إليه بخط الوزير المغربي قال نفطويه أما سائر العلوم فهاهنا من يشركنا فيها. وأما الشر: فإذا مت مات على الحقيقة، وقال: من أغرب عليّ ببيت لجرير لا أعرفه فأنا عبده، وقال ابن خالويه، وقال لي يوماً وقد حضرته الوفاة: قد جالستني فما رأيت منك إلا خيراً، فادع لي، ثم قال وضئوني، وقد كنت آخذ بيده، فمر بمسجد هشام بن خلف البزار فقال، هذا مسجد هشام مقرئ أهل بغداد، والله ما كان بأعلم مني، ولكنه أطاع الله فرفع، وعصيت الله فوضع مني. قال الحسين بن أبي قيراط، انصرفت من عند أبي عبد الله نفطويه، وقد كتبت عنه شيئاً، فجئت إلى أبي إسحاق إبراهيم السري الزجاج، فقال لي: ما هذا الكتاب? فأريته إياه، وكان على ظهره مقطوعتان، أنشدنيهما نفطويه لنفسه. فلما قرأهما الزجاج استحسنهما وكتبهما بخطه على ظهر كتاب غريب الحديث، وكان بحضرته: تواصلنا علـى الأيام بـاق ولكن هجرنا مطر الربيع يروعك صوته لكن تـراه على روعاته داني النزوع كذا العشاق هـجـرهـم دلال ومرجع وصلهم حسن الرجوع معاذ الله أن نلقـى غـضـابـاً سوى ذاك المطاع على المطيع والأخرى: وقالوا شانه الجدري فانظـر إلى وجه به أثر الكـلـوم فقلت ملاحة نثرت عـلـيه وما حسن السماء بلا نجوم? وذكر الفرغاني أن نفطويه كان يقول بقول الحنابلة، إن الاسم هو المسمى، وجرت بينه وبين الزجاج مناظرة، أكر الزجاج عليه موافقته الحنابلة على ذلك. قرأت في تاريخ خوارزم قال أبو سعد الحمدلجي: سمعت نفطويه يقول: إذا سلمت على اليهودي والنصراني، فقلت له أطال الله بقاءك، وأدام سلامتك، وأتم نعمته عليك، فإنما أريد به الحكاية أي أن الله قد فعل بك إلى هذا الوقت، وأعتقد به الدعاء للمسلم، قال الحمدلجي: وأنشدنا نفطويه لنفسه: إذا ما الأرض جانبها الأعـادي وطاب الماء فيهـا والـهـواء وساعد من تحب بها وتـهـوى فتلك الأرض طاب بها النـواء يرى الأحباب ضنك العيش وسعاً ولا يسع البغيضين الفـضـاء وعقل المرء أحسن حـلـيتـيه وزين المرء في الدنيا الحـياء قال محمد بن إسحاق النديم: وله من الكتب. كتاب التاريخ، كتاب الاقتصارات، كتاب البارع، كتاب غريب القرآن، كتاب المقنع في النحو، كتاب الإستثناء والشرط في القراءة، كتاب الوزراء، كتاب الملح، كتاب الأمثال، كتاب الشهادات، كتاب المصادر كتاب القوافي كتاب أمثال القرآن، كتاب الرد على من يزعم أن العرب يشتق كلامها بعضه من بعض كتاب الرد على من قال بخلق القرآن، كتاب الرد على المفضل بن سلمة في نقضه على الخليل كتاب في أن العرب تتكلم طبعاً لا تعلماً، والله أعلم.
+ نوشته شده در چهارشنبه بیست و دوم اردیبهشت ۱۳۸۹ساعت 22:9  توسط علی عبادی نسب - خوزستان - هندیجان
|
|